أنشودة الغضب العذب     

أنشودة الغضب العذب

بقلم : أحمد عز الدين



إنها الأرض
حين نبتعد عنها ، نتعلق كالغمامة بين الحلم والوهم ، حين تبتعد عنا ، نتبدد كالطلقة بين الصوت والصدى ، نقترب منها أو نرحل عنها ، تترك بصماتها فوق جلودنا ، أو نترك ملامح وجوهنا عليها ..
تكون معنا بقدر انتمائنا إليها ، وتنفصل عنا ، بقدر الفراغ ، الذي تحسه بين قلوبنا ..
إنها الأرض .

ليست أكواما من الرمل ، أو أفدنة من التراب ، ليست أنهارا ، أو بحارا ، أو خلجانا ، ليست يابسة أو ماء .
إنها الغصن الذي يثمرنا ، ويثمر فينا حين يخصبه العرق والدم والنخلة التي تهز جذعها حين يجيئنا المخاض ..
والسيف الذي يمتشقنا حين يصبح أطفالنا رجالا أشداء ..
إنها الأرض .

نحضنها وننام على صهوتها ، وفي جفوننا من دفئها حلم دائم الاخضرار ، كلما أطلقوا عليه النار ، تحول إلى دمعة ساخنة ، وعاد إلى عيوننا ..
نحضنها وننام على صهوتها ، وفي قلوبنا من حبها دفء أخضر ، كلما قصفوه بالقنابل ، تحول إلى قطرة دم ساخنة ، وعاد إلى عروقنا ..

أرض العرب ليست كأية أرض سواها ..
حجم الدم الذي غطى هذه الأرض ، يتسع لعدة جنان ..
أرض العرب ليست كأية أرض سواها ..
حجم الدمع الذي غطى هذه الأرض ، يطفأ أكثر من جهنم ..
أرض العرب ليست كأية أرض سواها ..
حجم البؤس الذي غطى هذه الأرض ، يتسع لكل أرض عداها ..

أرض العرب ليست كأية أرض سواها ..
حجم الثمار التي سرقوها من هذه الأرض ، تكفي أفواه الكون كله ..
أرض العرب ليست كأية أرض سواها ..

إنها الجسر الذي امتد دائما بين السحاب ، وبذرة التاريخ .. إنها الجسر الذي عبرت فوقه الإنسانية الطفلة وتعلمت ونمت .. وأوقدت مصابيح العالم المطفأة ..

هذه الأرض عرفت كل شئ ، وجربت كل شئ .. عرفت الأنبياء ، كما عرفت القراصنة ، عرفت الأبطال كما عرفت الغزاة .. لكنها لم تتحول مرة واحدة إلى لصة ، ولم تذهب مرة واحدة لتغتصب أحلام أحد خارجها ، وإنما صنعت للآخرين دائما أحلاما أكبر من رؤوسهم ..

عندما تقترب مياه البحر من شطوطها ، تزداد المياه حمرة .. وعندما تتلامس أمواج الأبيض المتوسط معها ، تزداد الأمواج عنفوانا وشبابا ..

كل شئ يتجدد أو ينفجر ، عندما يلامس ملمسها العربي .. كل شئ فوقها قابل دائما للتبدل والتغيير والانفجار ، وهي وحدها سر البذرة ، ومنبت الشجرة ، وقلب البرعم الصغير ، والقمر الكبير ...

إنها الأرض ، وإنها فلسطين ... وفلسطين ليست مجرد قطعة من هذه الأرض النبية ..

هنا صار لدمع المجدلية اسم جديد ..
هنا صار لدم المسيح لون آخر .. وأصبح سيف محمد عشبة مزروعة في الأرض ، تطارد ظلها البنادق الصهيونية فوق الجدران والحوائط ، وسواعد الأطفال وجدائل النساء .. أه فلسطين ..

يتذكرونك أحيانا بين غمد السيف الممتلئ ، ومقبض السيف الفارغ .. ويشتاقون إليك أحيانا بين قصيدة وقصيدة ، وخطبة وخطبة ، وهم يواصلون التقدم من منبر لمنبر ، ويواصلون الزحف من ميكروفون إلى ميكروفون ..

بقدر مطر الشتاء يكون حر الصيف ، ولكن قلوبهم لم تجرب سوى الخريف ..
بقدر الجوع يكون الشبع ، ولكنهم لم يجربوا إلا الجوع للكلمات والبيانات والخطب ..

الحراب الصهيونية ، تنهال من كل جانب ، والجسد الفلسطيني يفيض صوتا عذبا في الفضاء البعيد .. يهز مخادع المترفين ، ونوافذ المستسلمين ، ويضق الأبواب التي أغلقها ضباب النفط ...

أيتها الأرض ..
بين غصون الجليل ، وأحجار حيفا ، وأصابع غزة ، وقبرات القدس ، ثمة صوت يتهدج في الفراغ البعيد ، يسقي التراب ماءه ، ولونه ، ومذاقه ..
ثمة صوت عربي ، يصعد المآذن ، مأذنة مأذنة ، ويدق النواقيس ، ناقوسا ناقوسا ، ويدخل الشوارع ، شارعا شارعا ، ويفتح أبواب المنازل ، بابا بابا ، ويهز الأحجار ، حجرا حجرا ، ويتعلق بأظافره بين اللحم والدم ، ويصب أغنيته النارية الغاضبة بين المحيط والخليج ..

ويقول للعرب ، أيها العرب :
هل تحولنا إلى ذكرى ، وهل تحولتم إلى تاريخ ؟!
ويقول للعرب ، أيها العرب :
هل نتحول إلى تاريخ ، وتتحولون إلى ذكرى ؟!
ويقول للعرب ، أيها العرب :
هل نتحول إلى خبر ، وتتحولون إلى مذياع ؟!
ويقول للعرب ، أيها العرب :
ليس هذا فراغ ، ولكنه نفس محض .
ليس هذا تراب ، ولكنه لغة .
ليس هذا ماء ، ولكنه دم .
ليست هذه أحجار ، ولكنها نبض .
ليست هذه ألفة ، ولكنها قرابة .
ليست هذه دموع ، ولكنها تاريخ .
ليست هذه وردة ، ولكنها قلب .
ليست هذه أرض ، ولكنها جسد حي لا يموت !

30 آذار 1982

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :