محمود رياض     



أجرى الحوار : أحمد عز الدين

عندما يتكلم محمود رياض يتكلم التاريخ ، فهو المقاتل في فلسطين ، والمفاوض المشارك في اتفاقيات الهدنة في رودس ، ثم سفير ناصر في سوريا ، ثم وزير خارجيته ، ثم الأمين العام لجامعة الدول العربية ، ثم استقال تجاوبا مع نداء ضميره عندما ذهب السادات إلى الكنيست ، وعندما أخفق في إقناع العرب بتبني مشاريع عسكرية للدفاع عن أمنهم القومي ، فماذا يقول محمود رياض اليوم ؟ إنه يقول الشئ الكثير .

وهذا الحوار معه تحول إلى مكاشفة صريحة مع النفس ، ومع العرب ، ومع مصر ، ومع الحاضر والمستقبل .

لا يحتاج الحوار مع محمود رياض إلى مقدمات ، لأكثر من سبب ربما لأن الذين يعرفون محمود رياض عن قرب ، يعرفون أن فيه من نهر النيل بعض صفاته ، فهو متدفق ، وبسيط ، وعاطفي ، وقامة كبريائه عالية ، وربما لأن الذين يعرفون دور محمود رياض عن قرب ، يعرفون أنه قطعة حية من تاريخ مصر الحي ، وطنيا وقوميا

إنه جزء من جيل مقاتل ، لم يستطع أن يمنح نفسه نعمة السلوى ، فما يزال مصرا على أن يغمر وجه بالرياح والعواصف والأنوار ، منذ أن ذهب محاربا إلى فلسطين ، حتى اختار هو شخصيا أن يتوارى عن الأضواء بمحض إرادته .
ولذلك فإن محمود رياض لا يعيش زاد الماضي ، ولكنه ما زال يتجادل مع الحاضر ، وما زال يحاول جاهدا أن يرى أفق المستقبل .

قلت لمحمود رياض :

• قبل أسابيع قليلة ، سمعتك تقول : " يبدو أن بعض العرب قد شربوا من نبع الجنون " ، أعرف أنه كان تعليقا رمزيا على ما يحدث ، لكن صدقني أنه ربما يبدو للبعض الآخر واقعيا جدا ، ترى كيف وصلنا أولا إلى نبع الجنون ؟

ابتسم محمود رياض ابتسامة واسعة ، لكنها مليئة بالشجن وقال :

نعم إنه تعبير رمزي ، ذلك أن ما يحدث يخالف المنطق ، ويتجاوز كل ما يمكن لقوى العقل فينا أن تتخيله أو تتصوره ، أو تصل إليه ، إننا لم نكشف عدونا صدفة ، ولم نتوصل إلى حقيقته مؤخرا ، لقد اكتشفناه منذ عام 1948 ، منذ أن ذهبنا لنحارب في فلسطين ، بل أن الفلسطينيين اكتشفوه قبلنا ، وقبل ذلك التاريخ بكثير عرفوا الحقيقة ، وعندما كان الفلسطينيون يجيئون إلينا في الأربيعينات ، ويطرحون مخاوفهم من قيام دولة يهودية ، ويشرحون مخاطر الحركة الصهيونية ، كانت الأحزاب المصرية كلها تتعامل مع يطرحونه على أنه من قبيل المبالغة لا أكثر .
لكننا اكتشفنا صدق التحذير الفلسطيني بعد ذلك بسنوات قليلة ، واكتشفنا كم هي المخاطر التي علينا أن نتوقعها ، إذن فقد اكتشفنا يقينا منذ عام 1948 أن هناك عدوا ذا أطماع توسعية ، يتأهب لتحقيق أطماعه بالقوة ، وكان المنطق يقول أننا سنتأهب لمواجهة أطماع هذا العدو لمحاصرته ، لكننا بعد كل هذه السنوات ، وبعد كل هذه التجارب ، نرى ملامح الصور ، صورة العدو ، وصورتنا .

• وإلى أين وصل العدو ؟ وإلى أين وصل بنا التدهور ؟

يضيف محمود رياض منفعلا :

لقد قضيت حياتي كلها في خدمة القضية الفلسطينية ، منذ عام 1948 ، وأنا في غزة اتعامل تعاملا مباشرا مع الفلسطينيين ، بل ومع العمل الفدائي الفلسطيني ، فكيف يمكنني أن اتصور بعد هذا التاريخ كله ، أن ينتهي الأمر أن يحمل الفلسطينيون السلاح ويتقاتلون ، إنهم بذلك لا يزيدون القضية الممزقة تمزيقا ، ولكنهم يوارونها التراب ، ألا يعني ذلك الأرتواء من نبع الجنون ؟


• قلت : عندما أخترت أن تترك موقعك كأمين عام لجامعة الدول العربية ، هل كنت تتصور أن تصل الأمور لهذا الحد ؟

لا ، مطلقا . لم اتصور أن يصل التدهور العربي إلى ما وصل إليه ، كنت أقول أننا مستمرون في التدهور ، وكان أملي أن أشعر أننا وصلنا إلى القاع ، حتى نبدأ في التسلق والصعود من جديد ، كما تقول حتمية التاريخ ، لكن للأسف ، كنا نتدهور بسرعة رهيبة دون أن أرى قاعا يقف عنده هذا التدهور .

• لعلها مناسبة لكي نتحدث عن استقالتك من جامعة الدول العربية قبل ست سنوات ، إنك لم تتحدث عن أسباب استقالتك إلا تلميحا من قبل ، هل نتوقف عند الأسباب الجوهرية لهذه الاستقالة ؟

لقد استقلت باختصار ، لأنني شعرت أنني بذلت مجهودا ضخما من أجل وحدة الكلمة العربية ، ليس عن طريق القول الذي أصبح ممجوجا ، وإنما عن طريق العمل المنظم ، ولكن هذا المجهود أصبح غير قادر على الاستمرار أو الصمود .

• كيف ؟

لقد كان همي الأساسي هو كيف نقيم تنظيما لأمننا العربي في مواجهة إسرائيل ، وعندما شعرت بعد سبع سنوات من الجهد المتواصل ، إنني غير قادر على الوصول إلى ما اتمناه ، لم يكن هناك بديل عن الاستقالة .
لقد كان كل ما أملكه أن أقدم اقتراحات ، وأن أضع خبرتي فيها ، لكنني لا أملك القرار ، ولقد وجدت أن كل ما أقوله لتنظيم هذا الأمن القوم ، ليس محل انتباه كاف من الحكومات العربية ، بل العكس من ذلك ، كنت أجد عكس ما أطلب أو أقترح من خطة أو عمل ، وبالتالي كان بقائي عبئا .

• وهل هناك أمثلة عملية على ذلك ؟

منذ عام 1973 ، وأنا أضع خطة لمجلس الدفاع العربي ، لإنشاء قيادة عربية موحدة ، وقد تمت الموافقة ، وعين أحمد إسماعيل قائدا عاما قبل معركة 1973 ، ولكنني رفضت أن يبقى الأمر مجرد كلمات غير واضحة ، كما هو الحال في ميثاق الضمان الاجتماعي ، الذي ينص على أن العدوان على أي بلد عربي ، يعتبر عدوانا على البلاد العربية الأخرى ، وفي هذه الحالة يتم التشاور ... الخ . هذا كلام إنشائي وغير عملي ، وبالتالي بحثت عن برنامج عملي ، يحوي ضمانات وأرقاما عملية ، لما يمكن أن تقدمه كل دولة ، من دبابات وطائرات أو جنود ، أو مختلف صور الدعم العسكري ، وهكذا أصبح هناك عمل منظم ، قائد عام مسمى ، وقوات عربية محددة توضع تحت إمرته ، ولم اكتف بهذا ، بل طلبت وألححت على ضرورة إنشاء صناعات حربية عربية ، وتقدمت بمشاريع محددة في هذا الإطار ، بل قدمت ثلاثة مشاريع كي ينتقى من بينها مشروع أو أكثر ، هل تعرف ماذا كان الرد المباشر ؟
قالت بعض الحكومات العربية أن هذه المشروعات تحتاج إلى دراسة ، وتساءلت أي دراسة ؟ فأجابوا دراسة لاقتصاديات المشروع ، ودهشت فلم أكن أقدم مشروعات للاستثمار المادي ، وإنما كنت أقدم مشروعات لصناعات أساسية للحفاظ على المستقبل ولذلك قلت لهم :
في الصناعات الحربية ، لا يوجد ما يسمى باقتصاديات المشروع ، لسنا شركة أمريكية ستصنع كي تبيع في الأسواق ، وتحقق كسبا سريعا ، إننا ندافع عن أمننا ، وهذا يستوجب أن ندفع ، لأننا في كل الأحوال سنكسب شرفنا .
المهم أن أربعة دول فقط أقتنعت بأهمية المشروع وهي مصر والسعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة .
ثم لسوء الحظ انفض المشروع بطريقة خاطئة ، وكالعادة بالانفعال .

• أيا كانت ملاحظاتك ، فقد كان هناك عمل عربي مشترك ، وكانت هناك جامعة عربية نرى لها أثرا أو فعلا أو قرارا ...

يقاطعني محمود رياض :
نحن نتصور أحيانا أن جهاز الجامعة العربية ، جهاز منفصل عن الأمة العربية ، أو عن الوضع العربي ، وكأنها محكمة عدل دولية مثلا ، تستطيع أن تصدر قرارات واجبة النفاذ ، مع أن هذه الصلاحية لا تتوفر حتى لمحكمة العدل الدولية .
الجامعة العربية ما هي إلا مجموعة موظفين ، وشخص اسمه أمين الجامعة ، هو وحده الشخصية السياسية بينهم ، ولكن ، هل يتصدر هذا الشخص القادة ، أو الرؤساء العرب عندما يجتمعون ؟ هل يستطيع أن يصدر قرارا ملزما للدول العربية ؟
إذن ، عندما يقرر العرب أن يتحاربوا ، ماذا يملك أمين الجامعة لكي يمنعهم من تنفيذ قرارهم ؟ إنه يملك قوة ، لا دستورية ، ولا قانونية ، ولا عسكرية .
إذن ، جامعة الدول العربية هي الدول العربية ، هي المجتمع العربي ، إذا ساء حال هذا المجتمع يسوء حال الجامعة ، وإذا استقام ، استقام حال الجامعة .

• ألا تتصور أن لتغيير شخص أمين الجامعة ، وموقعها الجغرافي ، تأثير على فاعليتها ؟

لا ، شخص أمين الجامعة شخص متغير حتما ، وهذه سنة الحياة ، أما الموقع فهو ليس موضوعا أساسيا ، فالقرارات لا تخرج من الموقع الجغرافي ، وإنما تخرج من الدول كلها ، ربما يأتي من دور القاهرة القيادي ، ومن موقع الجامعة على أرضها .
لم تقد مصر العرب ، لأسباب جغرافية فقط ، ولم تتقدمهم أيضا لمجرد دور أساس لها في التاريخ ، لقد قادتهم عندما توفر لها عوامل الجغرافيا والتاريخ ، مع القدرة على تمثُل حاجة العرب ، أو حاجة الشعب العربي ، بدليل أنها حين اختارت أنور السادات ، أن تذهب مصر إلى توقيع صلح انفرادي مع إسرائيل ، متناقضا مع دورها في تحقيق حل شامل ، على امتداد أكثر من ثلث قرن ، انفض عنها العرب وفقدت دورها القيادي .
ما زلت اذكر أن بعض الأخوة الرؤساء ، قالوا لي في مؤتمر بغداد عام 1978 ، أنه ليس هناك بقعة في العالم دون قيادة ، وضربوا عدة أمثلة ، فالعالم الغربي تقوده الولايات المتحدة ، والعالم الشرقي يقوده الاتحاد السوفيتي ، ، حتى في الدول الأفريقية هناك دور بارز لدولة ما ، هناك مثلا تنزانيا في شرق أفريقيا ، وهناك مثلا السنغال في غرب أفريقيا ، فكيف يكون الأمر بالنسبة لموقع مصر العربي ، وثقلها السكاني والحضاري والعسكري .
إن مصر لم تبحث عن زعامة ، وإنما رُشحت لها ، لأنها تجاوبت مع المشاعر العربية ، مع آمالها وأمانيها ، ولذلك فإن القيادة المصرية للأمة العربية ، أقوى ملايين المرات من القيادة الأمريكية للغرب ، أو الاتحاد السوفيتي للشرق ، لماذا ؟
لأن القيادة في الحالتين نتيجة القوة فقط ، فلا يستطيع الاتحاد السوفيتي أن يزعم أنه أكثر تقدما من المجر في الحضارة ، أو أكثر تقدما من ألمانيا في الديموقراطية على مستوى التكنولوجيا ، أو على تشيكوسلوفاكيا في الصناعة .
والأمر نفسه بالنسبة لأمريكا ، هل تتخيل أن أمريكا عندما تروج لصناعتها داخل الولايات المتحدة نفسها تقول أن منبعها أوروبي ، بينما ما تزال الحضارة الأوروبية هي السائدة ، بل ليس هناك ما يمكن أن يسمى بالحضارة الأمريكية .
أما بالنسبة لمصر ، فالأمر مختلف من كل ناحية ، فقد اتيحت لها قبل غيرها ظروف أفضل للتقدم .
مع ذلك كله ، فعندما تأتي هذه القيادة وهي تسير على رأس القافلة العربية ، وتنحرف في الاتجاه مائة وثمانين درجة، ماذا ستكون النتيجة ؟
على حد تعبير بعض المسئولين العرب : عندما ذهبت القيادة فجأة ، وجدنا أنفسنا نتخبط ، بل تتضارب خطواتنا .

• مع ذلك كله ، اسمح لي أن أسألك ، كيف تتصرف الآن لو كنت أمينا للجامعة العربية ؟

لقد كنت أمينا واستقلت ، إن مهمتي الأساسية هي أمن الأمة العربية ، ولقد شرحت لك كيف حاولت أن أجد له حماية عسكرية عربية وفشلت ، إن مهمتي ليست الإشراف على مجموعة من الموظفين ، ولذلك لا أجد بديلا عن الاستقالة ..

• لننتقل إلى القضية الفلسطينية ، ما هي توقعاتك لمستقبل منظمة التحرير الالفلسطينية بعد الخروج الفلسطيني من طرابلس ؟

قال محمود رياض بنبرات بدت خافتة هذه المرة ، كأنها تأتي من بعيد:
القضية الفلسطينية تواجه كارثة لأن أصحابها يتقاتلون ، إن حل القضية يحتاج إلى إجماع فلسطيني ، أما أن يحدث العكس ، فقد كان يمكن أن نكتفي منذ البداية ، إذن ، بحكومة عموم فلسطين ، وبأحمد حلمي باشا " رئيس الحكومة " القابع في الجامعة العربية ، ينتظر القرارات التي نستطيع أن نجمعها له على الورق .

هل تعرف أن العمل الفدائي الفلسطيني لم يبدأ عام 1965 ، كما يقال ، لقد دربت بنفسي مجموعات كبيرة من الفلسطينيين عام 1948، وقام العمل الفدائي في إطار منظم منذ عام 1955 ، إضافة إلى أن الفلسطينيين يقاتلون منذ عشرينات القرن ضد الاستعمار الإنجليزي ، لقد قاتلوا بشرف طويلا ، دفاعا عن وطنهم ، ولكن أن توجه بنادقهم إلى صدورهم فهذا يعني اختفاء القضية .
عندما يقضى على القيادة الفلسطينية ، لا يكون هناك محل للسؤال عن مستقبل القضية ، لأن القضية كلها سوف تتعرض لاختفاء جبري طويل .
لماذا ماتت القضية خلال فترة محددة تاريخيا ، ما بين 1945 وحتى إقامة منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964 بقرار من القمة العربية ؟
لأنه لم تكن هناك قيادة فلسطينية ، كانت هناك قيادة في الأربعينات مممثلة في الحاج أمين الحسيني ، ولكنه عندما ذهب إلى برلين أيام الحرب ، راهن على الجواد الخاسر ، ولو أنه قبض عليه وعاد ، كما حدث مع سعد زغلول وبورقيبة ، لاختلف الأمر كثيرا ، وطوال الوقت والعرب يتفاوضون نيابة عن الفلسطينيين ، وعندما وقعت الهدنة سنة 1948 ، وقعت عليها أربع دول عربية ، في غياب ممثل لفلسطين .

• كانت الهدنة إجراءا عسكريا ؟

هذا صحيح ، لكن في مايو / أيار 1949 ، عندما حدث تفاوض مع العرب والإسرائيليين ، تحت إشراف لجنة التوفيق التي شكلتها الأمم المتحدة ، ذهبت أربعة وفود عربية ، تمثل مصر والأردن وسوريا ولبنان . هذه مفاوضات سياسية ، فأين التمثيل الفلسطيني فيها ؟ علما بأن المفاوضات في " لوزان " كانت تشتمل على قضيتين أساسيتين : الحدود واللاجئين الفلسطينيين.
لقد بدأت الوصاية على القضية الفلسطينية منذ ذلك الوقت ، وبسبب غياب القيادة الفلسطينية والتمثيل الفلسطيني في الأمم المتحدة ، أخذت أطالب بتنفيذ قرارات التقسيم ، في أعوام 1953، 1954 ، 1955 ، وكان معي أحمد الشقيري في ذلك الوقت ، يطالب بنفس الطلبات ، لكنه كان ممثلا لسوريا ، ماذا أقصد بهذا كله ؟ أقصد أنه في غياب قيادة قادرة على التفاوض ، لا توجد قضية .
ولهذا أيضا عندما طرح " جون فوستر دالاس " وزير الخارجية الأمريكي ، مشروعا لحل القضية الفلسطينية عام 1955 ، أقرب ما يكون للحق العربي لم يجد من يفاوضه ، فجاء وفاوضنا ، ولم نستطع أن نرد عليه بكلمة واحدة غير قرارات الأمم المتحدة .
ولهذا أنا شخصيا طرحت ضرورة وجود تنظيم فلسطيني منذ سنة 1958 ، لشعوري بأن هذا التنظيم أمر حتمي للتقدم بالقضية خطوات إلى الأمام .
باختصار ، فالقضاء على القيادة الفلسطينية ، معناه العودة بالقضية الفلسطينية أكثر من ثلث قرن إلى الوراء .

• بعد تجديد الاتفاق الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي ، ما تزال بعض الأصوات العربية ، تكرر رهانها على الجواد الأمريكي .

قاطعني مرة أخرى :
لقد أعجبني في سؤالك كلمة واحدة هي " تجديد " أنت إذن تعي تماما أن الأمر ليس جديدا ، ولكنه جدد ، وهذا الفهم ينبغي أن يكون واضحا لنا جميعا ، لماذا ؟ لأن التحالف الأمريكي الصهيوني قديم قد إسرائيل ، وبدأ يوم أن اعترف الرئيس الأمريكي " ترومان " بإسرائيل ، منذ منتصف مايو / أيار 1948 ، دون أن يكون لها حدود ، إنها سابقة ليس لها مثيل في التاريخ ، وحتى الآن لا توجد حدود لإسرائيل ، حتى في الأمم المتحدة وفي خارطتها الرسمية .
وهذه نظرية بن جوريون " نستمر دون حدود ونضع حدودنا دائما في أقصى مكان يستطيع الجندي الإسرائيلي أن يصل إليه " ، لقد قام التحالف إذن منذ عهد ترومان ، ولكنه جدد مرة أخرى على يد الرئيس جونسون ، بعد موت الرئيس كينيدي ، حيث وقف إلى إسرائيل في عدوان 1967 ، فتم العدوان بموافقته بل وساهم في خداع مصر ، لقد أرسل مبعوثين إلى مصر ، وسلماني رسالة إلى عبد الناصر ، يتعهد فيها جونسون ، ( استدرك وقال : بلاش يتعهد لأن التعبير مضحك ) وإنما يقول فيها : " إن الولايات المتحدة ستقف ضد أي دولة تحاول أن تعتدي على دولة أخرى "
وكان بذلك يعطي نفسه الحق في أن يتدخل تدخلا مباشرا إلى جانب إسرائيل ، إذا أخفقت في اتمام مهمتها العسكرية بالكامل .

• في التوقيت نفسه وكجزء من الخداع الاستراتيجي ، اعتقد أنه أرسل دعوة أخرى إلى نائب رئيس جمهورية مصر لزيارة الولايات المتحدة قبل العدوان بأيام .

نعم هذه قصة حقيقية ، وفي اليوم نفسه الذي كان مقررا فيه سفر زكريا ( يقصد زكريا محيي الدين ) وقع العدوان على مصر .
أما بالنسبة للرسالة التي أتحدث عنها ، فقد طالب جونسون من بين ما طالب به ، أن يتم تنفيذ اتفاقية الهدنة ، وقلنا له موافقون ، وعندما وقع العدوان قلنا له : لقد اعتدي علينا تعالي وقف ضد إسرائيل ، فقال : لا .. أنا لا أعرف من أين صدرت الطلقة الأولى ، لقد قلت وقتها لــ " دين راسك " وزير الخارجية الأمريكي " ، أليس عيبا أن تقولوا لنا هذه الكلام ؟ ألم يبلغكم سفيركم أن القنابل الإسرائيلية كانت تنهمر فوق رأسه في قلب القاهرة ؟
وأعدنا تكرار موافقتنا على طلبه تنفيذ اتفاقية الهدنة ، لكنه تراجع بالكامل عن كل ما تضمنته رسالته التي كانت مجرد خداع .
إذن التحالف جُدد مع جونسون ، وأعيد تجديده مرة ثانية على يد كيسنجر ، عندما تعهد بأن يضمن تفوق إسرائيل عسكريا على الدول العربية مجتمعة ، وبأن تقف أمريكا إلى جانب إسرائيل في الأمم المتحدة ، وتعهد أيضا بأن لا تقدم أمريكا مشروعا لحل القضية دون أن تتشاور مع إسرائيل ، وهذه تعهدات خطيرة تتمسك بها إسرائيل ، وقد نفذت بالفعل ، وما تزال تنفذ حتى الآن .
ولعل المحافظة على التفوق العسكري الإسرائيلي واضح ، كذلك موضوع الأمن ، أما ما يتعلق بالأمم المتحدة ، فأمامنا عشرة قرارات صدرت أمس الأول ضد إسرائيل ، منها قرار تدين به 141 دولة إسرائيل في ما يتعلق بإنشاء قناة البحر الميت ، ولم يصوت إلى جانب إسرائيل سوى الولايات المتحدة الأامريكية ، والشئ نفسه لبيقة القرارات ، أي أنه أصبح مندوب أكبر دولة كبرى في الأمم المتحدة ، يتلقى تعليماته من مندوب إسرائيل ، وهذا هو تنفيذ التعهد الذي قدمه كيسنجر ، ثم تعهد أمريكا بألا تقدم مشروعا للحل إلا بعد التشاور مع غسرائيل ، وهذا ما حدث في كامب دافيد ، حيث تحول تعبير التشاور ، عمليا إلى ضرورة موافقة إسرائيل المسبقة على المشروع .

• وهل ينطبق ذلك على مبادرة ريجان ؟ أن إسرائيل رفضت المبادرة حتى الآن .

ما يسمى بميادرة ريجان ، أمر لا يدعو لأكثر من الضحك أو التهكم ، يبدو أن الناس لم تقرأ نص المبادرة ، أن ريجان لم يقل شئ كل ما قاله بالضبط " أيها العرب أجلسوا مع إسرائيل وتفاوضوا " مع ديباجة إنشائية تتعلق بتجميد المستعمرات ، وحتى هذه الديباجة الإنشائية رفضتها إسرائيل ، فأي مبادرة تلك التي تتحدثون عنها ؟

دعني أهد إلى مسألة " تجديد " التحالف الأمريكي الإسرائيلي في الوقت الحاضر ، كانت أمريكا تحاول قبل ذلك أن ترضي بعض العرب ، لكنها الآن خلعت - كما يقال - برقع الحياء تماما عن وجهها القبيح .
لكن الغريب أن جورج شولتز " وزير الخارجية الأمريكي " يأتي بعد ذلك ليقول بصفاقة غريبة : " لقد أسئ فهم الموضوع " ، فهل بلغ الاستخفاف بالعقل العربي إلى هذا الحد ؟ إننا لا نعرف كيف نقرأ ، وإذا عرفنا لا نعرف كيف نفهم أو نستوعب ما قرأناه ، الاتفاق واضح ، والوقاحة الأمريكية أكثر وضوحا .
عندما قال أنور السادات أن 99 بالمائة من أوراق الحل في أيدي أمريكا ، كان كلامه صحيحا ، ولكن أوراق أي حل ؟ ، إنها تملك مائة بالمائة من أوراق الحل الإسرائيلي ، وليس الحل العربي ، وفرق كبير بين الحلين ، بين الحل الإسرائيلي والحل العربي ، الذي لا تملك أية نسبة في تنفيذه حتى ولو واحد بالمائة فقط .
يقولون أن أمريكا هي " الشريك الكامل " وهذا صحيح ، إنها شريك كامل في العدوان على الأمة العربية ، من واقع الاتفاق الأخير .
هل يحتاج الجيش الإسرائيلي إلى مزيد من التدريب ، وهو يتدرب في أراضي العرب ، هل تحتاج أمريكا إلى مخازن للسلاح ، إلا إذا كان المقصود تخزين أسلحة لحاجة الاستخدام العسكري الإسرائيلي ؟
ثم أن أمريكا شريك واضح جدا ، فلأول مرة في تاريخ أمريكا الحديث يأتي الأسطول السادس ليضرب أرضا عربية ، بعد أن كان يأتي مستأذنا ، وطائراتها تقصف أراضي عربية علنا ، ولا نجد شخصا واحد في المة العربية ، يتكلم مع أمريكا بنفس درجة وضوح دورها العدواني ، ويقول لها : لقد أصبحت شريكة لإسرائيل .
لكم أرثى الرئيس اللبناني أمين الجميل ، أنه مسكين بالفعل ، فإسرائيل تحتل أرضه وهو يستنجد بأمريكا ، لتأتي وتشارك في ضربه هي الأخرى ، فمهما كان اتجاه الضربات الأمريكية فهي تتم ضد لبنان ، ضد سيادتها ورئيسها .
لكنني أقول بعد ذلك كله ، بالنسبة للاتفاق ، أن ما خفي كان أعظم ، لسببين ، لأن ريجان وقَع وسيمضي ، وستتحول ورقة الاتفاق أو الاتفاق إلى علاقة ثابتة ليس بمقدور أي رئيس أمريكي إلا أن ينحني لها ، ولأن ريجان وقَع ، وستقوم الأجهزة الأمريكية بالتنفيذ وفقا للتفسير الإسرائيلي باستمرار .


• كيف ؟

ألم يشترك الرئيس الأمريكي السابق " كارتر " في كتابة كامب دافيد ؟ أنه ما يزال يصرخ أنه يفسر الاتفاق بعدم إقامة مستعمرات ، والإسرائيليون يقولون .. لا .. ليس هناك نص صريح على ذلك ، ويقول لقد اتفقنا على ذلك ، ويقولون ..لا .
إن دلالة هذه القصة واضحة فقد أيد ريجان من واقع ذلك إقامة المستوطنات ، ولا نعرف من واقع الاتفاق الأخير ماذا سيترتب عليه ، لذلك فأنا أقول إن ما خفي كلن أعظم ، حسب التفسير الإسرائيلي في المستقبل ، وقراءة ذلك في الماضي ، لا تحتاج إلى دليل .

• إن موضوع الاتفاق الاستراتيجي ينقلنا مباشرة إلى السياسة الخارجية المصرية ، لقد كنت مسئولا لفترة طويلة عن المشاركة في صياغة أسس السياسة الخارجية المصرية ، لو تصورت الآن ، إنك مسئول عن إعادة صياغة أسس هذه السياسة ، في ضوء المتغيرات الجديدة ، التي تراكمت على امتداد السنوات الأخيرة ، كيف سيكون اتجاه قرارك ؟

لقد ورث الرئيس مبارك ميراثا كئيبا ، بل لعلي أقول دون مبالغة ، أنه ورث أسوأ ميراث يمكن أن يرثه رئيس جمهورية ، لقد وجد نفسه محاطا بدول عربية مفتتة ، ووجد مصر معزولة عربيا ، ومعزولة عن التيار الحقيقي لعدم الانحياز ، بل وجد نفسه معزولا حتى عن أوروبا الغربية ، وفي حالة قطيعة مع أوروبا الشرقية ، يكفي أن يقال عن هذا الميراث ، أن أمن مصر مهدد من خلاله ، وأن جزءا من ترابها الوطني وهو طابا ، ما يزال مقتطعا منها .
لكن الرئيس مبارك لم يستسلم للقيود التي فرضها عليه هذا الميراث الكئيب.
لقد طور مواقفه السياسية بوضوح ، في اتجاه غير منحاز ، وهو اتجاه واضح الدلالة والعمق ، والدليل على ذلك الموقف المصري من إدانة الغزو الأمريكي لجزيرة غرينادا .
ثم أعاد مبارك صياغة مواقف مصر إيجابيا من الوقائع التي تتحرك على أرض المنطقة ، من قضية الاعتداء الإسرائيلي على لبنان مثلا ، كما أنه أخذ موقفا واضحا من الاتفاق الأمريكي الإسرائيلي ، فقد اعتبره كارثة .
باختصار شديد ، هناك رئيس جمهورية في مصر يأخذ موقفا سياسيا سليما وصحيحا ، في ضوء ظروفه والظروف المحيطة به ، وهو أمر لا يستطيع أن يقفز فوقه ، أو يتجاوزه ، وإلا وقع في خطأ بالغ .
يكفي في تقديري ، أنه في ظل هذه الظروف يمتلك الشجاعة الكافية لكي يقف ويقول لا لأمريكا ، ولا لإسرائيل ، إنها ليست شجاعة لغوية فقط .
لهذا فأنا أقول بوضوح ، إن أي تأخر عربي في الاقتراب من حسني مبارك ، سيكون من الأخطاء العربية القاتلة المتكررة .
إن مصر لا تستطيع أن تستعيد وزنها ومكانتها دفعة واحدة ، خلال أربع وعشرين ساعة ، ولا أحد يمكن أن يطلب من مصر معجزة بعد تخريب امتد عشر سنوات كاملة في السياسة المصرية .
لذلك لا أحد يزن مواقفه بميزان العدل ، يمكن أن يطلب من حسني مبارك أكثر مما يقوم به ، أو يقدمه في الوقت الحاضر ، بل إن الحاجة القومية والضرورة القومية ، تقتضي أن تقترب الأمة العربية كلها من حسني مبارك وأن تسارع إلى مساندته ، ومساندة مصر في هذا الوقت ، وأي تأخير في ذلك لا أعطيه أي مبرر ، لأنه للأسف الشديد يصل إلى اللامبالاة في الاحساس بمسئولية مصر ومصير الأمة العربية كلها .


• هناك من يقول أن ثمة قرارات لمؤتمرات القمة العربية بمقاطعة مصر ، وهي تحتاج إلى مؤتمر جديد لتجاوزها ، كما أنها تحتاج إلى إجماع عربي يصعب تحقيقه الآن .

لا هذه مغالطة ، ولقد سمعتها للأسف من بعض الرؤساء العرب ، لكن هذا غير صحيح وغير قانوني .

• غير قانوني ؟

طبعا ولعلي أقول ذلك للمرة الأولي ، لأن القرارات التي صدرت في حق مصر ، غير قانونية ومخالفة للميثاق .
علي سبيل المثال .. ميثاق جامعة الدول العربية ، لا ينص على شئ اسمه عزل دولة عربية ، إن ذلك غير وارد أساسا به ، إن الميثاق يتضمن الطرد من الجامعة ، ولكنه يحتاج إلى توفر شرط الإجماع ، والإجماع غير موجود فلا يمكن أن يتحقق الطرد، في الوقت الذي يكون فيه العزل صيغة غير واردة بالميثاق .
ثم هناك نقطة أكثر أهمية في ما يتعلق بالاجتماع الذي اتخذت فيه هذه القرارات ، لقد كان اجتماعا سياسيا ولم يكن اجتماعا يدور في إطار الجامعة ، ولهذا لا توجد له وثائق في الجامعة العربية ، ومن وجهة نظر الجامعة الفنية البحت ، هو اجتماع خارج نطاق الجامعة .
( هنا يستدرك محمود رياض قائلا ) :
على فكرة أنت تحصل مني على معلومات ، لم أكتبها حتى ال’ن في مذكراتي ، ولم أقلها من قبل ، لكن هذا الاجتماع مع ذلك ، هو اجتماع سياسي سليم ، لأنه اجتماع دول صاحبة سيادة ، وقد حضرته على هذا الأساس ، فميثاق الجامعة ينص على أن الأمين هو الذي يدعو إلى الاجتماع ، والحقيقة أنني لم أدع إلى الاجتماع وإنما دعيت إليه .
على كل ما أريد أن أخرج به من هذا الحديث الطويل ، أنه لا صحة لأي تعلل بقرار " عزل مصر " وبضرورة الموافقة الجماعية على تجاوزه ، للأسباب التي ذكرتها ، ولتفسير آخر يتعلق بموضوع الاجتماع ، لا صحة لمسألة " الإجماع " التي تتحدث عنها وسائل الإعلام هذه الأيام ، كعقبة في تأدية الجامعة لوظيفتها .
إن القرارات تلزم من يوافق عليها فقط ، ولا تلزم الآخرين ، وهناك سابقة في هذا الموضوع ، لقد سبق لنا في الجامعة العربية ، وكنت وزير لخارجية مصر ، أن اتخذنا قرار بقطع العلاقات مع ألمانيا الغربية ، بعد أن تبين لنا أن المستشار السابق " إيرهارد " قدم لــ " بن جوريون " ، خلال مباحثات سرية تمت في نيويورك دبابات ، ساهمت في عدوان 67 ، فاجتمعنا وطرحنا فكرة الاعتراف بألمانيا الديموقراطية ، لكن بعض الدول العربية اعترضت لأنها لا تريد أن تعترف بدولة شيوعية ، لذلك قررنا قطع العلاقات ، ولقد كنا أربع عشرة دولة ، وافقت عشر دول على قطع العلاقات ، ولم توافق أربع دول ، وتم تنفيذ القرار على هذا النحو ، فلم يلزم القرار إلا الذين وافقوا عليه .

• ثم كيف أعيدت العلاقات العربية مع ألمانيا ؟

هل تتصور اننا اجتمعنا واتخذنا قرارا جماعيا بعودة العلاقات ؟ أبدا ، لقد اختلفنا ثم اتخذنا قرارا ، بأن يترك أمر إعادة العلاقات أو عدم إعادتها لكل دولة على حدة ، وقد مارست كل دولة هذا الحق بالفعل .

• دعنا ننتقل قليلا إلى صفحات التاريخ ، لقد نشر مؤخرا كتابان أولهما كتاب لـ جاكسون ، وثانيهما كتاب لـ بولك ، وكلاهما يتحدث ، مع اختلاف واضح ، عن موقف عبد الناصر من التفاوض أو السلام مع إسرائيل ، لقد قرأت لك ردا على الكتاب الثاني لكنني أحسست أنه رد مجتز وناقص ، هل يمكن أن تحدثنا عن الحقائق المتعلقة بروايتي الكاتبين ؟

بالنسبة لجاكسون فقد جاء وأطلعني على مسودة كتابه ووافقت عليها ، مع أنني غير متفق معه في محاولته الأخيرة ، للإيحاء بأن ما فعله السادات هو ما كان يريد أن يفعله عبد الناصر .
حقيقة أن جمال عبد الناصر كان يسعى إلى السلام ، ولكن أي سلام ؟ هل هو السلام الإسرائيلي الذي تبتلع بموجبه الأراضي العربية ، أم هو السلام العربي ، الذي يعكس الحقوق العربية التاريخية ؟
أما بالنسبة لبولك ، فقد أدعى أن جمال عبد الناصر وافق على خطة سلام كتلك التي وقع عليها السادات ، لقد سبق وأن كذبت ذلك تفصيلا ، لكن ما لم أقله كان يتعلق ببولك نفسه .
وسوف أروي لك قصتي معه ، إنه مجرد موظف صغير ، جاء به كينيدي إلى الإدارة الأمريكية من الجامعة ، وبقي في الإدارة الأمريكية بعد مقتل كينيدي حتى أتم سنوات عقده للعمل بها ، وهي أربع سنوات ، ومنذ ذلك الحين انقطعت علاقته بالإدارة الأمريكية ، باستثناء الاتصالات المعروفة مع العاملين السابقين أثناء سفرهم إلى لخارج .
باختصار لقد حاول هذا البولك ان يبيع لنا " الترام " كيف ؟ لقد ذهبت إلى الأمم المتحدة قبل 67 ، ومعي حسن صبري الخولي ، الله يرحمه ، الذي انتظر بولك إلى أن مات وتحدث عنه الآن .
باختصار طلب بولك الذي لم يجرؤ على طلب مقابلتي ، لقاء مع حسن صبري الخولي ، وقد التقى به بالفعل ، ثم حضر إليَ ومعه مشروع ضخم الحجم ، خلاصته أنه سيحول الساحل الشمالي لمصر إلى كاليفورنيا ثانية ، عن طريق تحلية مياه البحر ، لكنني بمجرد أن قرأت أول ورقة في المشروع ، أعدته إلى حسن صبري وقلت له : إنه يريد أن يبيع لنا الترام .
قال : كيف عرفت من أول نظرة .
قلت : لقد كتب أن تكلفة تحلية " الجالون " من المياه المالحة هو خمسة سنتات فقط ، وهذا غير صحيح ، لأن التكلفة تساوي 25 سنتا .
قال : ومن أين عرفت هذه المعلومات .
قلت : لأن إسرائيل مهتمة بموضوع التحلية ، ولذلك فأنا مشترك في مجلة لا تكتب إلا في هذا الموضوع ، وآخر رقم ذكرته المجلة هو هذا الرقم ، وهو غير اقتصادي .
وذهب حسن صبري إلى شيكاغو وأعاد إليه المشروع ، ولكنني حينما عدت إلى مصر قلت لعبد الناصر ، تصور لقد حاول بولك أن يبيع لنا الترام ، وضحك عبد الناصر كثيرا ، لكن هذا لم يمنع بولك من أن يكرر المحاولة مع الدكتور الزيات مرة أخرى .

• قلت لمحمود رياض :
أعرف أن المستقبل لا ينمو من عوامل ليست قائمة في الواقع ، لكن هذا لا يمنعني أن أسألك عن المستقبل الذي تتوقعه ، أو تستشرفه بحسك الخبير ؟

قال محمود رياض هذه المرة وكأنه يتلو قصيدة من الشعر :
استطيع أن اتحدث عن المستقبل من الاستقراء التاريخي ، ولي سمن قراءة الكف ، إن الشدائد التي تعاني منها الأمة العربية في الوقت الحالي ليست الأولى من نوعها ، لقد مر بأمة العرب ما هو أشد منها بأسا وصعوبة وتعقيدا ، لكن هذه الشدائد في النهاية ساهمت في أن تتوحد الأمة العربية وليس العكس ، بدليل الغزوات كلها ذهبت واندثرت في تراب هذه المنطقة ، وبقيت سماؤها شامخة ونظيفة .
وإذا كان الجيل الحالي غير قادر على مواجهة هذا الموقف ، فأنا على يقين من أن الأجيال القادمة سوف تقدر على مواجهة الغزوة الأمريكية الصهيونية ، وسوف نخرج من لهيب هذه المواجهة أكثر قوة ونضجا .
لكن واجبنا الراهن ألا نكتفي باستقراء التاريخ ، بل أن نبذل الجهد الذي نملك ، لكي نمهد لهؤلاء الذين سيحملون العلم من بعدنا ، أفضل فرصة ممكنة ، لكي يقوموا بدورهم من أجل سلامة الوطن ورفاهيته ورفعته .
لهذا فأنا واثق من أن القادة العرب ، إذا التقوا ووضعوا نصب أعينهم هذا الهدف ، فسوف يكون من الممكن أن يصلوا على نوع من الاتفاق حول صياغة خطة بعيدة المدى تنفذ على مراحل ، حتى يمكن أن تحقق توازنا عربيا استراتيجيا مع إسرائيل ، إنه ليس واجبنا تجاه الحاضر ، وإنما تجاه المستقبل ، وهو ليس التزامنا أمام أنفسنا ، وإنما التزامنا أمام أجيال قادمة ، طرقت أو لم تطرق بعد باب الوجوه


يناير 1984

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :